قبل النوم قرأت نصًا عن البحر، كانت رائحة اليود في أنفها رغم مرور أكثر من سنة لم تر فيها شاطئًا، لكنها تحتفظ بطعم المحار مع الليمون الذي أكلته بنهم قبل عام كامل في ذاكرتها. وقبل أن تنام نسيت أمر البحر، تذكرت أنها لا تستطيع إطباق رجليها على بعضهما البعض. أصيبت قبل أيام بمرض في فرجها، خمنت أنه لأمر مخجل أن تمرض المرأة في ذلك الحيز الرقيق بالذات. كانت أمها تعاني من الداء نفسه، إذ نامت طيلة عشرين سنة واضعة مخدة بين ركبتها، وفي الصباح تسخر من نفسها قائلة: ” كل النساء ينمن بين ساقي رجل، إلا أنا، تنام المخدة بين رجلي”، تبتسم، وتبدأ يومها بحركة رجليها المنفرجتين عن آخرهما. أما هي فتسير بشكل عادي، تلبس السراويل الضيقة والسميكة، لكن الطبيب لم يقل إن مرضها وراثي، لم تعلم أن الأمراض الفطرية والطفيلية تورث. فكرت أن بعيداً، في أماكن كثيرة، يموت الناس جوعًا، بردًا، ورميًا بالرصاص وربما بشيء أكبر من الرصاص لم تستطع تسميته أو رفضت، ثم قالت بصوت شبه مسموع: ” وأنا أنظر”، حاولت تحليل الفعل “نظر”، لكن ذهنها ذهب في اتجاه آخر، تساءلت كم يوجد من مرادف لـ “نظر”: رأي، شاهد، تأمل، تفرج،لاحظ”. ليس لديها كلمات كثيرة في رأسها. في تلك اللحظة رأت أمامها منجدًا، بدا لها كبيرًا مما أثار في نفسها شعورًا فظيعًأ بالعجز وعدم القدرة على فتح “شيء” مماثل. بعد ساعة نامت، ليس بعمق، لكنها نامت.
رأت في حلمها أنها تمطر بغزارة شديدة، غزارة أدت إلى سيول غير معقولة بالنظر إلى ما شاهدته من قبل. كانت تصعد تلة باتجاه معاكس للسيول، كادت أن تجرفها. انقطع الحلم وتأملت وجه أمها الذي مزقه مبضع الجراحة قبل أسبوع، كان الجرح ما يزال مفتوحًا كأن الطبيب نسي إغلاقه. اقتربت منها وأطلت على الجرح، كان هناك بداخله غابة محترقة وأشياء لم تتذكرها عندما أفاقت فجأة. رغبت بشدة أثناء ذلك بأن تشتري سمكًا، فتحت الهاتف لتتأكد من الساعة، الرابعة صباحًا وخمس وخمسون دقيقة. “لكنه توقيت غير مناسب لشراء السمك”، غير مناسب أبدًا.
فكرت فيمن ماتوا قبل قليل في مكان آخر بعيد، تعاظمت رغبتها في شراء السمك. في المرة الماضية، قبل فترة، نشب شجار تافه بينها وبين بائع السمك، كان غليظ الألفاظ وقد أنبها لأنها طلبت سمك سردين صغير: “أريد 275 غرامًا من السردين الصغير، الطبق الذي أرغب في تحضيره لا يحتمل السمك الكبير”. وعن قرب أعلن البائع بلهجة عدائية خالصة/ “لا اختار”. أزعجه، بالإضافة إلى ذلك، رغبتها في 275 غرامًا. لماذا 75غ؟ وأشار بأصابعه نحوها، ثم قالت هي: “نحن نأكل الأموات”. استسلمت لشيء غامض غطى على ذهنها، دعاها إلى العدول عن شراء السمك والانصراف. كان مُلحًا وضروريًا أن تنصرف من أمام البائع مخلفة البحر داخل عيون السمك، قالت في نفسها: “ربما أن أيضًا سمكة، لا أريد الآن أن أكون سمكة، أريد أن أكون خيمة”.
وعند السادسة حاولت أن تنام، لكن جرح أمها وسط وجهها، تحت العين مباشرة، الغابة المحترقة داخله، مبضع الجراح، خيطه، أدواته… “ما الذي كان يخجل أمها أكثر: الفطر في فرجها أم الجرح الذي نسيه الجراح مفتوحًا في خدها؟ “تساءلت، وكانت أمها إمرأة تحب المرايا كثيرًا، ومع ذلك لم يكن الوقت قد حان بعد لشراء السمك ولم تنم. وكانت أمها تفعل ما تفعله النساء مع صغارهن، تروي قصصًا كثيرة حتى تنسى الجرح والجراح وتقتنع أنه لا غابه هناك، لا خضراء ولا محترقة.
من “توقيت غير مناسب لشراء السمك”
قصص
لـ غزلان تواتي
دار النشر: دار هن
والمرشحة ضمن
القائمة الطويلة
لـ جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في دورتها الثامنة (2025-2026)
احصلوا على نسختكـ ـن/ ـم الآن من خلال موقعنا أو منافذ البيع، واستمتعـ ن / وا بالقراءة الفورية على منصة أبجد:


