برغم عدم الاعتراف بمصطلح الجغرافيا النفسية حتى أوائل الخمسينيات، إلا أن الفكرة ظهرت في الأعمال الأدبية منذ وقت أطول، مثل المؤلفات الشعرية لبو وبلايك، ولشهادات السيرة الذاتية لتوماس دي كوينسي أهمية خاصة من عمله اعترافات آكل أفيون إنجليزي (1886).
“أحيانًا، حين أحاول الوصول إلى البيت، متبعًا مباديء الملاحة، بتثبيت نظراتي إلى القطب الشمالي، والسعي طامحًا في الاتجاه إلى الشمال الغربي، فإنني بدلًا من طواف جميع الأزقة والمسالك التي مررت بها في رحلتي الأولى من البيت، إذ بي أواجه فجأة أزقة معقدة ومتداخلة، ومداخل مبهمة للغاية ، وشوارع محيرة دون ممرات، وأتصور أن أيا منها ، بطبيعة الحال، قد تُحير عقول سائقي عربات الأجرة، والحمالين ( أي كل من يجدر به حفظ شوارع لندن عن ظهر قلب بحكم طبيعة عمله)، كدت أظن في بعض الأحيان أنه لابد أنني أول مستكشف لتلك الأراضي، وشككت حتى في أن أحدًا قد سجل تلك الحواري في خرائط لندن من قبل.
يشرح دي كوينسي كيف استرشد بالنجوم في طريقه إلى البيت، ولأنه يفتقر إلى أي معرفة بالملاحة الفلكية، يجد نفسه في مناطق غريبة عليه، ويستكشف ما ظن أنها دروب لم تألفها حتى الخرائط، وإذا به يعيد اكتشاف المدينة كأنما يراها بعيون جديدة.
يُصور دي كوينسي الجغرافيا النفسية على أنها فعل امتيازي، أي أنه لا يتاح لأحد التجول في الشوارع واكتشاف أسرارها إلا إن كان لديه الوقت والدخل الكافيين، ازداد الدافع السياسي وراء الجغرافيا النفسية وضوحًا في الخمسينيات، بالتزامن مع نشوء الحركة المواقفية، عارض المواقفيون بشدة ما أسموه “فيتيشية السلع”، واستثمروا في أناركية اللعب بصفتها أسلوبًا يتحدى النظام الرأسمالي، وكانت إحدى تلك المسارات اللعبية الجغرافيا النفسية، تشمل التمرينات النموذجية للمواقفي الجيو-نفسي استخدام خرائط المدن المختلفة للإبحار في خرائطه الخاصة، وتقطيع الخرائط وإعادة ترتيبها، وممارسة فن التسكع أوالرحلات غير المخطط لها.
لكن ما الأهمية التي تحملها الجغرافيا النفسية اليوم؟ مع الاستخدام المتزايد لنظام تجديد المواقع العالمي GPS أو خرائط جوجل، يبدو أننا أصبحنا منعزلين عن بعضنا تمامًا، إذ أصبح العالم الرقمي رهن أصابعنا، بينما يحتل العالم الحقيقي مقعدًا خلفيًا.
يصف الصحافي ويل سيلف، الذي يُعرف نفسه بكونه جيو-نفسي، هذا بأنه انسلاخ عن “الحقائق المادية لمدينتنا”، وهي فكرة لها آثار اجتماعية وسياسية، خصوصًا لأولئك الذين يسكنون المدن الكبيرة.
فكر في اعتماد الفرد على الأنظمة خارج عقله أو جسده في التحرك في المساحات، مثل جهله بطريقة وصوله إلى وجهته حتى أثناء رحلته المعتادة بسبب اعتماده على نظام تحديد المواقع العالمي GPS، يتجرأ ديبور أكثر ويقترح أن المدن ليست سوى مخططات رأسمالية وضعت من أجل أن تتناسب مع البيع المتزايد للسيارات وتستغل الحاجة إلى السفر من نقطة أ إلى نقطة ب، ومن ثم يساهم العجز المتزايد في التحرك في محيطنا في تغلغل الثقافة الرأسمالية بداخلنا وهيمنتها علينا.
للمشي آثار جندرية كذلك، تكتب ريبكا سولنيت في كتابها “حب التجوال” 2006 عن المشي في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، “قدمت إلى نصيحة أن أبقى بالمنزل أثناء الليل، وأن ارتدي ملابس فضفاضة، أو أن أغطي شعري أو أقصه، وأن أحاول أن أبدو مثل الرجال، وأن أنتقل إلى مكان باهظ التكلفة، أن أركب سيارة أجرة، أن أشتري سيارة، أن أتحرك في مجموعات، أن أجعل رجلًا ما يرافقني “كل النسخ الحديثة من الحوائط اليونانية والأحجبة الآشورية”، ثم أكدت أن “العديد من النساء نشأن باقتدار تام على معرفة أن الموقع المختار لحياتهن أكثر محافظة وقبلية بدون أن يعلمن سبب ذلك؛ لأن رغبتهن في المشي وحدهن انطفأت بداخلهن..”.
من كتاب “تحت الأسفلت شاطئ”
علم اجتماع
تحرير: أحمد السروجي
دار النشر: دار هن
احصلوا على نسختكـ ـن/ ـم الآن من خلال موقعنا أو منافذ البيع، واستمتعـ ن / وا بالقراءة الفورية على منصة أبجد:


