هايدي عصام[2]
تحرير: دار هن
أمومة مبتورة
تتكوَّن الحبكة القصصية من ثلاثة عناصر رئيسية: البداية (تقديم الشخصيات الرئيسية)، العقدة أو الأزمة، وأخيرًا حل العقدة وانتهاء الصراع. أعرف هذا؛ لأنني أدرس الأدب منذ ما يقارب من ثماني سنوات. كنت قارئةً شغوفًا منذ الطفولة، وظننت أن الواقع سيحاكي القصة، فانتظرت أن تُحَلَّ عقدتي مع أمي بمرور الوقت ولكن موتها بتر علاقتنا عند العقدة والصراع التقليدي، بين الابنة المراهقة المتمردة والأم.
أكتب اليوم 21 مارس، يوم عيد الأم، الذي لم أنتبه له رغم بثِّ الأغاني التي تحتفي بالأمومة في كل محلات الهدايا والورود. لا أعرف، هل هذا يعني أنَّني شُفِيت من الجرح، جرح فقد أمي منذ خمسة أعوام؟
كانت آخر الهدايا بيني وبينها، وأكثرهن تكرارًا، الوردة البلدي الحمراء ببتلاتها الكبيرة ورائحتها العبقة. حين فقدتك شعرت بما تشعر الوردة بعد أن تُقتَلَع من تربتها. شعرت بأن هناك الكثير لم أعرفه عنكِ. كنت غاضبة جدًّا من عدم توافق آرائنا السياسية وشعوري بأن مرضك المزمن يكبلني كما يكبلك، وكأن الحبل السري الذي جمعنا لم ينقطع بعد. كنت دومًا أنتظر اللحظة الدرامية من التصالح، التصالح معك ومع جذوري الشعبية التي لن أستطيع التخلص منها مهما تحدثت بلغتي الإنجليزية التي -على حد قولك- “عوجت بها لساني” منذ تعلمتها من البرامج التليفزيونية، ولكن لم تتخلصي أنتِ وأبي من لغتكم العربية ذات اللكنة الشعبية -التي ظهرت فقط وقت تشاجركما أمامي أنا وأخي- رغم إتمام تعليمكما العالي وحصولكما على وظيفة مرموقة. كنت لا أحلم فقط بالتصالح بل بالتعويض. لطالما حلمنا سويًّا يا أمي ببيت آخر، أنا وأنت وأخي. بيت يخلو من رجل غاضب، بيت لا نخاف فيه من صوت المفاتيح الصاخبة قبل أن يدخل هو المنزل.
حين فقدتك، فقدت تلك الأحلام، علمت أن الرأسمالية لن تتركنا ننسى أصلنا أو حتى نتصالح معه، علمت إن اخترت بيتًا دون رجل غاضب، فإن الرجل الغاضب سيجدني في البيت الأكبر؛ الوطن، ولكنني أحاول تفاديه باختيار مجتمع من النساء، عبر الدوائر التي أصنعها لنفسي، من خلال الرياضة التي أمارسها أو الفن الذي أتعلمه. حين جئت إلى مجموعة القراءة، في هن، لم تكن المرة الأولى التي أسرد وأستمع إلى حكايات أجدنا فيها يا أمي. أسمع أصوات أمهات أخريات لعلني أعرف شعورًا مررتِ به، ولكنها المرة الأولى التي لا أكتب عنكِ بالكامل فأنا أكتب أيضًا لكي أتصالح معكِ على الورق، فتكون الكتابة الجسر الذي يربط بين حياتي غير المكتملة معك وحياتي من بعدك.
البتر
ريم بن رجب في “كتبت عليكن الأمومة وهي كُرْهٌ لَكُنَّ”[3]، جعلتني أفكر في كيف اختبرت أمومتي وبنوتي لأمي لظروف مرضها، شعرت بالتعاطف حد التماهي مع ألمها ووراثة صدماتها من الآلام المزمنة. حين ماتت أمي شعرت براحة أنَّني سأتمكن من النوم في سريري بدلًا من النوم على الكرسي البلاستيكي في المشفى وأنا منزعجة من دخول وخروج الناس علينا واستباحتهم لجسدها وخوفي من استباحة جسدي إن نمت. هذا الشعور لم أصرح به لأحد ولا حتى لطبيبي النفسي، كان هذا شعور مُحرَّم لا يمكن أن أعيشه. تذكرت، امرأة قابلتها في جلسات الحكي العلاجي وصرَّحت بأنها تشعر بالتعب بسبب عبء رعاية أمها المريضة التي تتحمَّلها وتنصُّل الأب والأخ عن المسؤولية. رعاية المرضى هو عمل تقوم به النساء في المجتمعات الأبوية، دور تقوم به النساء، بمعنى أنه “شغل ستات”. في جلسات الحكي، تنتقل النساء في سردهن من الهامش، المكبوت، المكتوم، إلى المركز. شعور متناقض حدي بين الراحة والذنب، فكيف أشعر تجاه أمي المريضة بغير الواجب المقدس! عليَّ أن أتصرف وأتحرك بسرعة لتضميد جراحها وتغيير ملابسها وإعطائها الدواء والاستماع لصرخاتها المدوية دون أن أصدر أي تصرف يعبر عن الغضب الممزوج بالشفقة، أبي الوحيد الذي يُسمَح له بالتعبير عن غضبه؛ يطالبها بأن تقول: “يا رب” بدلًا أن تصرخ. تستجيب وتصرخ “يا رب” وتحضن عصفورًا قطنيًّا، أهداه لي أحد أحبائي. عصفور زغبة بلون السماء والسحاب. تصرخ أمي عندما نرش المضاد الحيوي على ما تبقى من جسدها المبتور. تقول الممرضة إن اللحم سينمو مُجددًا ولكنه سيأخذ وقته. الوقت لم يمهلني لأعرف، هل سينمو جسدها مجددًا أم لا؟ لأنها ماتت فجر اليوم التالي. ماتت أمي على سريرها بعد مكوثها في المشفى لشهور، فقد استجبنا لتوسلاتها لتعود إلى المنزل بعد أن تخبرنا مرارًا بأن هذا الطبيب نحَّات، فهو يحفر في جلدها ولحمها حتى العظام، “ده عمل فيا حاجة عيب”؛ ظننا أنها تخرف ولم نكشف على جسدها، كان جسد أمي بدأ في تحلله قبل أن تفارقه الروح.
قبل موت أمي بأشهر قليلة، تمنَّت الموت لنفسها لنرتاح منها وشعرت بأنها تعلن هجراني. جرح ما زلت أحاول مداواته. أشعر طوال الوقت بأنه سيتم هجراني ونسياني من أحبتي وحتى من سائق حافلة العمل، لن يذكرني أحد. وقتها، جاء ردي على دعوتها بـ “آمين، على الأقل هعرف أعيش حياتي من غير ما أبقى حاسة إني محقوقالك بالقعدة جنبك”. ماتت أمي بعد ذلك وشعرت بأن تلك الدعوة التي أمَّنت عليها هي سبب موتها وفقداني لها. شعرت بذنب شديد ممزوج بالغضب؛ لأنها تركتني رغم أنها تعرف مدى خوفي من فقدانها. كنت أتمنَّى أن نتصالح بالكلمات لا بأفعال الحب الصامتة التي ميَّزت علاقتنا، لا بالشد على الأيدي حين أذهب لامتحاني أو حين تذهب للمشفى أو لآخر جلسة غسيل كلوي، حينها هاتفتني لأرافقها وعبَّرت عن خوفها واحتياجها لوجودي، لأول مره رأيتها طفلةً خائفة من الهجر مثلي تمامًا.
رحلت وهي لا تستطيع تكوين كلمات أكثر من “يا رب”، أكثر من الصراخ، لقد بتروا أجزاءً من جسدها عنوةً وظلمًا مرات عديدة، مرة بالختان، ومرة بإزالة آثار قرح الفراش بعملية جراحية، ولم أكن أعلم أنه سيكشط جزءًا من ظهرها. بتر جسدها وبترت علاقتنا، لن أستطيع ترميم الأول ولكنِي سأحاول ترميم الثاني.
أكتب عن الأمومة ولا أعرف مدى شرعية كتابتي. أكتب لأتحرَّر من كتابات مبتورة على مدونتي. أنام خلف أمي مُمسكة بجلبابها القطيفة، خائفة أن تتركني سهوًا. أفكر في الأمر ويبلل ظهرها دموعي الساخنة. الكل يعلم أنها ستموت، أمَّا أنا لم أقبل بذلك، صرخت في وجه خالاتي، ستعيش لتدفنكن جميعًا. ما مدى شرعية الإحساس بنقص أمومتها لي، رغم أنني رفضت أمومتها بكامل إرادتي الطفولية وقتذاك. أتألم فأصرخ نحوها، وأشعر بالذنب فأصمت. دوائر من مشاعر حدية تجاهها. دوائر من رفضي، لا يجب أن أضحي بحياتي وصحتي من أجل أحد، وفي الوقت نفسه أحتفظ بصورتها في دلايتي الذهبية وهي شابة تبتسم. أرفضها ومن ثم أحاول تشكيلها لتشبهني، أقلدها كما قلدت إيمان مرسال أمها، وأتماهى معها كما تماهت هندة الشناوي[4] مع أمها فأهدهد أطفال الحضانة التي عملت بها بعد وفاتها. أهدهد الأطفال على نغماتها وأغانيها “ننا هو.. ننا هو”، وأغني لقِطَّتي أغنية صباح “حبيبة أمها”، وأغنجها مثلما غنجتني أمي، أبخِّر أخي يوم تخرجه، أحتضنه حين بكى فراق أمنا وأنام بجانبه حتى يمر الليل وكأنه ليس فقدي أنا أيضًا، هندة الشناوي ذكرت كيف صرخت بطبقات صوت لم تكن على دراية بوجودها في حلقها، أنا أيضًا لم أبكي بعواء مثل أول مرة تُرِكتُ في المنزل وحدي بعد وفاة أمي. لم أكن أعلم أن درجة الألم التي شعرت بها وقتها ممكنة. لمَ لمْ يرَ ألمي كأم لأمي، كبنوة وأمومة امتزجتا كما تحدثت نولة درويش في مقالتها[5]، لِمَ كان الطبيعي أن أظلَّ في غرفتها حتى الصباح مُغلقًا علينا الباب، لأن تعبيري عن الألم أو حتى جنوني مقبول، فلا يجب لرجل أن يدخل فيبكي كالنساء حتى ولو كانت المتوفاة أمه، ولكني لم أبكِ ليلتها، فقط نمت على صدر أمي مرةً أخيرة، أسمع خواء الأنفاس متبادلة الصمت -لغة الأموات- معها. لم أعلم ما الذي يجب فعله، فقط أغلقوا الباب عليّ وطلبوا مني قراءة القرآن عليها، كنت أقرأه لطمأنتها مرة أخيرة. لا أعرف كم من الوقت مضى حتى رأت صديقتي رسالتي الصامتة الرخامية بموت أمي وأتت لتحملني من فوق جسد أمي المُسجى. ظللت شهورًا أحلم بأني في قبرها، أني مُت وتماهينا سويًّا في المُلتقَى الأخير. أمي لم تمُت ولا يجب أن تكون داخل هذا القبر ويجب أن أنتشلها، كيف؟ حاولت بشدة أن ألتصق بها بعد سنين من رفضي حميميتها، ربما، لخوفي من هذه اللحظة التي سترحل فيها بلا عودة. كيف يمكننا كمجتمع محاسبة الأم المريضة؟ كيف يطلب منَّا أن نتبادل مع الآباء والأمهات أدوارهن إن مرضن؟ كنت أرى ذلك في أمي وهي تقوم بدور أمومي لوالدها وهو في عمر الثمانين فتغضب إذا بلَّل نفسه وتطعمه وتنظفه. كيف يصبح شرخ البيضة المريضة ذنبًا لا نسامح أنفسنا عليه كأني آني إرنو Annie Ernaux حين تركت أمها في دار مسنين بعد إصابتها بخرف الشيخوخة وفقدان الذاكرة.[6]
امتزج بداخلي شعوران، أنا بنت نجلاء وأنا هايدي المستقلة عنها. أفخر بأني بنت نجلاء وأشبهها، ولكني أيضًا رغبت أن أفخر بكوني هايدي. ذكَّرني هذا بخوف لطيفة الزيات بأن ابنتها حنان لم تُفطَم عنها شعوريًّا بعد، كما يظهر في تحليل كتابها عن الشيخوخة في مقال د. هالة كمال عن الأمومة[7]، خوف لطيفة الزيات كان نتاج التشخيص النفسي لابنتها بأنها ما تزال على اتصال جنيني بأمها مما يؤثر على علاقاتها؛ لذلك كانت لطيفة تشعر بالذنب. هذا الاتصال لم تشعر به أمي، علاقتنا عكس ما اختبرته لطيفة وابنتها حنان، رفضتُ رفضًا باتًّا أمومتها، رفضتُ الاسم التي منحتني إياه، واخترت “شمس” اسمًا مستعارًا لي. هذا ما أخبرني به طبيبي النفسي بأني أرفض كل ما يمثله لي أبواي. نجلاء، أمي، هي من وضعت أسس هذا الانفصال بين هويتينا، كانت تقول أنت بنت أبيكِ، لبؤة، قوية، عندما أدافع عنها، وقاسية وغبية عندما أخالفها الرأي. أكبر مخاوفي أن أكون سلبية وغير فاعلة في حياتي مثلها. أرتعب من المرض أو الاعتماد على الآخرين. أندفع لأتذوَّق مباهج الحياة والحب خِلسة كالسارقين، فلا يجب أن يعرف أحدهم أني أعتمد عليه/عليها حتى وإن هدَّد ذلك سلامتي؛ لذا جاء تشخيصي بالشخصية الحدية، رغبة قاتلة في الحياة والموت سواء، الأبيض والأسود معًا. لن أربط حياتي برجل وأطفال مثلها، لن أجعلَ حياتي وحريتي قارب نجاة لتنجو أسرتي، لن أتركهم يشرخون بيضتي ويهربون بحياتي معهم. أدخل علاقات سريعة فقط لأثبت لنفسي أنني جديرة بالحب وبعد أن يتسرَّب الاختناق بداخلي وتزداد هواجسي بأني مقيدة، فيكون كل فراق، رغم الألم، انتصارًا صغيرًا لاستقلالي وحريتي. كل فراق هو ميلاد جديد لهايدي.
أدركت أني لست أمي ورغبت ألَّا أكونها فتمردت على أيديولوجيتها ذات المرجعية الدينية، وببطء ومع الألم تخلَّيت عن أشيائها التي بقيت في غرفتها بعد فراقها، والفعل الثوري الأخير هو التخلص من ألوان غرفتها ومن بعض أثاثها ومن عليقة الملابس المكسورة التي حملت ملابسها بعد موتها لعام أو أكثر وكأنها ستعود لتلبسها في أي وقت وتسترجع غرفتها.
ترميم
أعود مُجددًا لمحاولة إيجاد نقاط اتصال بيننا، فالفراق رغم ما يُمثِّله من حرية ومن انفتاح على فرص جديدة من الحب والنجاح في علاقات أخرى لا يرمم البتر الناتج عن كل فراق، ولا الإحساس الدفين بأني سأفشل في كل علاقاتي. هذا جعلني أخرب علاقاتي بنفسي حتى لا يكون فشلًا مُضاعَفًا، ودفعني للتدوين بالكتابة والرسم والقص واللصق لتذاكر الحفلات والسينما وبتلات ورد ميتة وصور أربعة في ستة لكل من أحببتهم، واحتفاظي بخط أيديهم حين يكتبون شيئًا ما من أجلي. هكذا أتحكم في الفراق، أحتفظ بمن أترك في أدراجي وأعود إليهم حين أشتاق لهم.
مع أمي في حفل تخرجي من الثانوية العامة (آخر حفل تخرج لي في حياتها)
حين ماتت أمي، رحت أبحث عنها داخل الأدراج المغلقة، في ألبومات الصور الديجيتال والورقية، كرهت صورها الرقمية؛ لأنها بدت مرهقة بنصف ابتسامة، فكنت أنشر صورنا على استحياء وأختار وضع الخصوصية “لي فقط”، أو أقص وجهها من الصورة، لم أستطع النظر لوجهها الحزين الذي أذبله المرض، كنت أيضًا أركز على يديها في الصورة خصوصًا وهي حولي، إننا نمد أيادينا اختيارًا وليس قسرًا.
أحببت صور أمي في شبابها، فمن كانت أمي؟ سؤال لاحقني كما لاحق إيمان مرسال، من كانت أمي قبل أن تكون “أم هايدي” والسؤال الأكثر صراحةً: هل كانت تشبهني؟ هل كانت لتعترف بي لو قابلتها في زمن مختلف، في فترة شبابها وعنفوانها وقوتها المادية والجسدية؟
أمي في أحد الاحتفالات الأسرية في عشريناتها
بعد موت أمي، قررت أن أطبع صورة لها على قلب ذهبي كتميمة أعلقها في قلادتي الذهبية التي اشتريتها من أول راتب لي، عندما عملت معلمة رياض أطفال. كانت التميمة صورة لأمي بشعرها المكشوف وهي في العشرين (وهو عمري نفسه حين ماتت) في كارنيه نقابة المعلمين، أخذ عمو أيمن (صاحب محل “دنيا الذهب” الواقع بشارع زين العابدين بالسيدة زينب)[8] تلك الصورة الفوتوغرافية المطبوعة لأمي ولم أسترجعها قط، لا أعلم إن كانت طباعة الصور بالليزر على الذهب تُفسِدُ الصورة الورقية ولم أسألْ قط، وبعد عام من ارتدائي الدلاية التي تحمل صورة أمي في قلادتي الذهبية تماهت وبهتت ألوان الصورة، فاستبدلت القلب الذهبي بقلب أكبر وأرسلت صورة جديدة عبر الواتساب لعمو أيمن وهي قصاصة لوجه أمي من صورة[9] تضحك فيها وهي ترقص في عز شبابها مثل الصورة الأولى، خلدتها على دلاية قلادتي الذهبية بصورتها التي أريد، ولا أعلم إن كان هذا اختيارًا أنانيًّا مني لطباعة صورتها بشعرها على قلادتي -رغم وفاتها وهي ترتدي الخمار- اعتداء على حقها في اختيار صورتها الخارجية، ولكن لا يهم فلم أعد أرتدي تلك القلادة[10] التي تحمل صورتها.
صورة القلادة الأولى والثانية اللي عملتهم عشان ماما
أحببت صورها وهي “عايقة” وواقفة في مركز الصورة بثقة مثيرة، ترقص وتضحك، تلبس طبعات جريئة وشعرها مصفف ليبرز كمظهر مميز لتصفيفات ثمانينيات القرن الماضي عكس صورتها بعد ولادتي. تظهر في الصور، كأمهات الهامش، الابن أو الابنة هما في مركز الصورة. تنظر لنا، في الصورة، بحنان ويظهر نصف وجهها أو تغطي شعرها أو ترتدي ألوان الأمومة المحايدة أو الصامتة.
من الصور القليلة أو الأخيرة لأمي وهي في رحلة للبحر الأحمر، قبل مرضها، كانت ترتدي سلسلة ذهبية ثقيلة بدلايتها التي تحمل آية قرآنية وترتدي البنطلون الإسترتش الأسود على تيشيرت مخطط واسع مثل نبيلة عبيد وممثلات حقبة أمي في ثمانينيات القرن الماضي، وتضع أحمر الشفاه وتبتسم، وأقف أنا، عندي سنة واحدة، ممسكة بيديها وأهتز وأضحك.
كلما اشتد المرض على أمي قلَّت رحلاتنا وصورنا السعيدة، سافرنا بعدها للأقصر ووقفنا نتصوَّر أمام أحد المعابد، لم يبتسم أحد، وتعطلت الكاميرا الديجيتال فكانت نذير شؤم للسنوات اللاحقة التي انزوت فيها أمي. لم تُلتَقط صورة لأمي بعد ذلك إلا في أحداث محورية كحفل تخرجي أنا وأخي، تقف بشموخ بجوارنا ولكن بابتسامة باهتة؛ لأنها كرهت ابتسامتها وإظهار أسنانها، انحصر فخرها في صور أبنائها.
صورة من عيد ميلاد ماما قبل الأخير
زواج أبي من امرأة أخرى ضاعف من تهميش أمي، كانت تردد: “الرحلات والانبساط لها (زوجة أبي) وأنا لي الهم وغسيل الشرابات”.
غضبت من أمي للاختفاء القسري -اختفاء لظروف مرضها- لأمومتها أو الأمومة المثالية التي لا يعيق مرض الأم حضورها، غضبت لأنها لم تعلمني عن أنوثتي، عن دورتي الشهرية، وعن كيف أختار الملابس الداخلية، ولم تقدر على مرافقتي للسوبر ماركت لشراء الحفاضات النسائية، فشعرت بعار من الأمر برمته. كل ما ذكرتني به هو أنني نجسة ولا يجب أن يختلط غطاء فراشي وملابسي بباقي ملابسهم وقت الغسيل، ولو احتضنت أحدهم فسوف أنتقض وضوءه، وأن امرأة ما سمَّمت زوجها بوضع دماء دورتها الفاسدة في قهوته الصباحية.
لم أرِد الانتماء لها كأم ولكن بعد وفاتها أردت الانتماء لها كأنثى، صورها المفضلة لي هي صور ما قبل أمومتي، وهي أنثى غير خانعة وباقية في زواج معنف “علشان العيال”، بعد العيال أصبحت كل صورها في المنزل، في المساحة الخاصة، في أعياد الميلاد وهو الوقت الوحيد الذي كانت تتزين وترقص فيه عندما أكملت عامي السادس عشر وهي تقيم حفلًا خاصًّا لي، بعد الاحتفال الخارجي مع أصدقائي. قيَّد المرض أمي بالبيت، فكان سعادتها وكل عاملها هو حفل عيد ميلادي في نوفمبر وعيد ميلاد أخي في أول ديسمبر.
الصورة الأخيرة التي سأذكرها ليست بأهمية الصور الأخرى رغم حضورها الطاغي في حياتي اليومية، وضعتها في طرف مرآة الدولاب الذي يحتل نصف غرفتي، صورة موجودة دائمًا تراقبني، أنظر لها فأدعو لها بالرحمة وأبكي، خاصةً عندما أكون مريضة وأحتاجها. أقترب من المرآة وأقارن ملامحي بملامحها، العيون، لون عينيها بني فاتح وأنا بني غامق، الأنف متماثل، وشفتاي كشفتي أبي متوسطتي الحجم، لون البشرة نفسه، ترتدي حجابًا شيفون أبيض يزيد من الهالة الملائكية التي تحيط بصور الأمهات الموتى، وأنا كاشفة شعري، أدقق وأحلل كيف تعيش أمي في ملامحي على الدوام. حين رسمت أمي لأول وآخر مرة رسمتها بشعرها في “عزها” وهي شابة بشعر مُموَّج كشعري وتنظر للأمام، وحين لم أجدها في أدراج الغرفة وألبومات الصور الورقية، فتَّشت عنها في أدراج ذاكرتي وأسكنتها بين أوراقي:
ذكرى أولى
كنت أكره وضعها مساحيق التجميل، كانت تضعها كشابة من ثمانينيات القرن الماضي، ظلال عيون أزرق وأحمر شفاه ذو درجة فاقعة والكثير من الترتر في غطاء رأسها، كان هذا المظهر هو مظهر الاحتفال في المنزل فقط، أما خارجه لم تضع أمي المساحيق، لكنها ترتدي التايير أو البدلة النسائية المكونة من جيب طويل وجاكت بدلة أو ما يسمى بليزر في اللغة الدارجة. كانت تختار ألوانًا هادئة باهتة لتواجه العالم بوقار معلمة في مدرسة السيدة زينب الثانوي التجاري بنات. تؤدي دور الأم المثالية التي تخلَّت عن البهرجة وألوانها، مُسالمة كالبيج والوردي الفاتح والأبيض والرمادي ولا تضع المساحيق أبدًا، ولكن شخصيتها وهويتها تهرب لتسطع في تفاصيل ملابسها الكاجوال التي تلمع أو تطبع بألوان جريئة بطبعة النمر والحمار الوحشي مع اللؤلؤ وقماش الشيفون اللامع. إحدى طالبات أمي السابقات، تمتلك محلًّا في الشارع الموازي لمسجد السيدة زينب، في شارع زين العابدين المليء بالضجة والزحمة والحياة، استوقفتني طالبة أمي لتقول لي: “إنتي عايقة زي أمك”.
ذكرى أخرى
“وبينما تحتضر أمي، لم يبقَ سوى الدب”. من فيلم الليلة الثانية لأريك باولز[11] والكاميرا تقترب على دب قطني قديم يبدو مُرهقًا، يربطني أنا وأمي حبٌّ للدببة القطنية، فكانت هدايا متبادلة بيننا، تمنحها لي ومن ثم تحتضنها هي. في أحد أعياد ميلادي، أهدتني قردًا ورديًّا، ظللت أنام وأنا أحتضنه في أعوام مراهقتي وحتى الآن، آزرني في غيابها. كان سعره يتخطى المِئتي جنيها وشعرت بالذنب؛ لأنها جلبته لي مع حلق فصوصه بلورية تلمع على شكل وردة سداسية البتلات، كان أخي يهدي أمي الدباديب القطنية مثلما تهديها هي لي والذي قد يُعدُّ رمزًا إلى ديناميكية علاقتنا مع أمنا (أمومة وبنوة متبادلة)، لم أعتقد أن أمي احتاجت دببًا قطنية وهي في الخمسين من عمرها، ولكنِ لم أسمح لها باحتضاني (كما لم يسمح لها أبي بمعانقته)، فكانت تتدلَّل كطفلة كبيرة فتعانقنا عنوة ونردها ببرود.
بين صرخات احتضارها ونوبة الهوس التي كنت بها، عجزت عن السماع لصراخها والبقاء بجانبها، يظل المشهد حاضرًا (مشهد احتضارها) -وإن لم أكن أعلم أنها تحتضر أو ربما رفضت التصديق- كانت تنظر إليَّ وتضع يدي موضع قلبها (كوضع الورد على صدور الموتى في مشاهد الجنازات في الأفلام الأجنبية التي شاهدناها سويًّا على الدش).

Veronica Lazar in Last Tango in Paris, 1972
مثال لمشاهد الجنازات من فيلم التانجو الأخير في باريس الذي أنتج في 1972
ثار بداخلي غضب وألم من صراخها فجلبت لها عصفورًا سماويًّا مصنوعًا من القطن ليستبدل الحضن الرمزي ليدي على صدرها، ومرَّت بضع دقائق حتى أطلقت أمي صرخة مفارقة الروح للجسد وصمتت أمي صمتها الأبدي، بين صراخ ولادتي التي استمرَّت ثماني ساعات على حد قول أمي -والتي كانت أصعب من ولادة أخي اللي “اتزلط علطول”- وبين صراخها الأخير، تشكَّلت حياة نجلاء التي عرفتها، بين الصراخين كانت تتلاشى وتصغر و”تغادر الرصيف نحو الأفق البعيد للعالم الآخر”، تتداخل مع الهامش أكثر فأكثر منذ زواجها وولادتي.
وإن لم أجد ذكريات لها، خلق لاوعيي ذكريات لها على شكل أحلام لا تنقطع عنها وكأنها فرصة متجددة لأظل معها بعد وفاتها، ظللت أحلم بأمي يوميًّا لمدة عامين بعد موتها؛ في داخل قبرها أو على سريرها في المشفى أو في المنزل، حينها تكون عادية أمي فقط -لا تحتضر- تنتقد بعض الأشياء في نظافة وترتيب منزلنا أو تحنو عليّ وتحتضنني، ولطالما انتهت تلك الأحلام ببكائي وأنا أرجوها ألا ترحل عني، أن تترك دنيا الأحلام وتعود معي لعالم الأحياء وأنا سأتولى مهمة تفسير عودتها الغريبة من عالم الأموات، “سنقول فقط إنك كنت نائمة أو أدخلناك القبر في حالة إغماء واكتشفنا خطأنا فعدنا لننقذك، بس ماتسيبنيش” فأستيقظ ودموعي تبلل وسادتي وأنظر نظرةً طويلةً ثابتةً على صورتك في زاوية المرآة، وحين فرغت من الأوراق والذكريات، فتَّشت عن أمي في المرايا التي أرى نفسي من خلالها.
يتكلم الفيلم الليلة الثانية الذي ذكرته مسبقًا، عن ليلتين؛ الأولى بعد الولادة حين يفترق الأم وابنها للمرة الأولى، والثانية عن ليلة موت الأم والفراق الثاني الحتمي، ديناميكية من الالتصاق والانفصال بالأم يشكلان علاقتنا بها، الانفصال بالنسبة لي عن أمي كان صراعًا وشعورًا بالذنب لاستقلالي عنها، فحرَّرتني أمي برحيلها الذي أغرق المحتل معها -مرضها المزمن- الذي شكَّل علاقة مبتورة بيني وبينها وبين وطني ودينها الذي لم يسعفها، كرهت نفسي لأن استقلاليتي التامة تطلَّبت تضحية كتلك من أمي ولم تكرهني، فآخر كلماتها الواعية لأختها أنها لا تصدق أنها ربَّت ابنة مراعية وتحبها لتلك الدرجة.
ظل شيء من التمرد بأمي -شيء مني- حين احتست القهوة ودخَّنت في الصباح الباكر وهي تشاهد فيلم أبيض وأسود قبل أن يراها الآخرون، قبل أن تتحوَّل أمًّا\زوجة\أختًا لأحدهم، كانت تصطدم دومًا وتبكي، تصطدم بالدولة لتأخذ حقها في الإجازة المرضية مدفوعة الأجر و”كام ملطوش زيادة كأجر مواصلاتها من وإلى المشفى”، تصطدم بالسلطة المؤسسية بمفهومها الأكبر ومن ثم تعود للمنزل لتصطدم بالسلطة الأبوية لزوجها المُعنِّف التي تصل لبلاغات ومحاضر في القسم البوليسي، ومن ثم تعود له، تتحدَّث عن حبها له وحرمانها منه. البقاء كان اختيارها بدوافع خفية كحبها له وإن كان السبب الأكبر هو المحافظة على صورة البيت التقليدي ذي الأب والأم والأطفال غير منفصلين.
ماذا ربط بيني وبين أمي والسينما والشعر وسؤال الحب؟ كانت أمي تقارن جمالها بسعاد حسني ومن ثم تقارنني بها وكأننا شخص واحد ذو جمال واحد. لقد كنا نشبه بعضنا كثيرًا خاصة في صورها الشابة التي كانت تبتسم فيها ملء فمها ولا تخجل من أسنانها وتجاعيدها.
ما زلت أحتفظ بالصور النادرة لسعاد حسني التي ينشرها معجبوها من وقت لآخر، أنظر لابتسامتها العذبة وأبتسم.
[1] هذا المقال ضمن برنامج “مجموعة القراءة” وهو برنامج بحثي يعتمد على القراءة والنقاش وتوفير مصادر متعددة من أجل إنتاج معرفة نسوية. وهذا المقال ضمن تيمة “الأمومة” وهي أول مجموعة قراءة تشكلت في هن.
[2] باحثة نسوية ومعلمة لغة إنجليزية
[3] معضلة الأمومة، مطبوعات دار هن، القاهرة.
[4] انظر مقال هندة الشناوي ضمن مقالات كتاب “معضلة الأمومة”، مرجع سابق
[5] المرجع السابق
[6] آنى إرنو، امرأة، ترجمة، سحر ستالة، منشورات الجمل، 2019
[7] معضلة الأمومة، مرجع سابق.
[8] الشارع المدون في خانة العنوان في بطاقتنا الشخصية (أنا وأمي وأبي وأخي)
[9] لن أضيف تلك الصورة كاملة احترامًا لمشاعر ومعتقدات أسرتي.
[10] لا أعرف إن كنت لا أرتديها للمعضلة الأخلاقية المتعلقة بها التي ذكرتها سابقًا، أم أنني لا أرغب في أن ألفت الانتباه لغيابها الذي يثبته حضورها القوي في الصورة/الدلاية.
[11] La deuxième nuit par Eric Pauwels




