تشبهني هذه السيدة؛ فقد رأيتُ ذات يأسٍ أنّ القفز أمام عجلات الشاحنة خلاصٌ، عندما كنتُ بجوار عائلتي على الطريق السريع. شيءٌ ما اعتلج في داخلي لا يمكن وصفه إلا بالسكون، الذي لا يحمل أي دلالة على الانفعال، بل مجرّد هدوءٍ مبالغٍ فيه، فرض نفسه دون أن يحضر معه أدواته المعتادة من تأمّل، انقباضٍ أيسرَ الصدر، أو دموعٍ تتراقص في المُقَل.
لقد كانت لحظةً أحسستُ فيها بخفةٍ لا متناهية، وكأنّ الشاحنة تشرع يديها لي وتهمس: ما عليكِ سوى القفز، وينتهي كلّ شيء.
لم تعد هناك ملامح لأي شيء: لا الطريق، لا الشاحنة، لا صخب العائلة، ولا ضجيج السيارة وهي تفرّ بكامل اللهاث، بأمرٍ من المقود تتحكم به يدُ زوجي، ولا أنا؛ بل مجرّد لونٍ غباريٍّ على طول المسافة الممتدة بين هواجسي وكلّ ما كانت تعاينه لحظتها عيناي، اللتان كانتا مجرّد عدستين لا تريان سوى لونٍ واحدٍ، تعثّر بنفسه وأغضب كلّ التراب في جسدي.
لذا فهمتُ ما كانت تعنيه السيدة في أن تحيك كلّ ذاك الوهم؛ رأته عينُ يقينٍ، وكيف أنّها استطاعت أن تحتال على الجدران، على زوجها، المفاتيح، والمكان خارج النافذة، وكيف تقمّصت الأصفر الذي برح المكان وسكن أنفاسها.
طبيعيٌّ أن نرى النهار برتقاليَّ اللون، أو نجعل الأشياء تتحدث. طبيعيٌّ أن نرى ما اعتدناه هلاكاً خلاصَنا. من الطبيعي أن نحبّ ونكره في اللحظة نفسها، وأن ننعت الآخر بكلماتٍ ساخطة، كما هي نعتت أختَ زوجها بالساقطة.
إنّها أشياء داخلية جدّاً، في العدم المتواري في الفراغ، في وجيب دواخلنا؛ نجعل من أدران المكان جسداً، وأعناقاً ملتوية، وأشباه جثامين تزحف، تزحف، لا تعرف ما المآل.
يوماً ما كنتُ قابعةً على الكرسي، أحسسته يبتلعني. أنظر إلى الطاولة أمامي وكوبِ شاي. أحاول النهوض من سباتي، أتعثّر ببابي الموصود على أنفاس النافذة، وحشرجة شجرة الزينة. يتثاءب المكان عنّي. أطرقُ للصمت، وأواصلُ كوابيسي.
أسمعُ شخيرَ اللوحة على جداري المطليّ بلون الكفن القديم، بينما تقترب من أذن الطاولة ذبابة، تتلمّس قشرَ البرتقال الصدئ وبقايا موز الأمسية الفائتة. الشاي المختصر في ظرفٍ يعلوه خيطٌ يتناسل في كأس ماءٍ حار، حول خاصرته سكرٌ دبِق، تشربه شفاهٌ متعبة.
تعكس أمامي صورة نهارٍ برتقاليٍّ ينهار شاهقاً دون غبار… وأدته السماء بمطر الأمس. لم تبكِ الأشجار المجاورة لموته؛ كان يسدّ عنها الهواء. أعشاش السنونو مليئة بالجوع، الأم لم تعد بعد، وكلّ الحَبّ نهبتْه الخفافيش، فالدماء نضبت من المدينة.
وعلى حافة إحدى الطرق السريعة، كانوا قد نصبوا سلالَ زهرٍ، وصلباناً صدئة، وشموعاً مغبرة. قالوا فيما بعد: مرّت من هنا أنثى في طريقها إلى المقبرة، تنتظرها آثار دمائها وفتاتُ خبزٍ يابسٍ سحقته شاحنةٌ ضالة…
اختيار الموت خلاصاً حالةُ وعيٍ بشكلٍ آخر، لا يُرغمنا عليها أحد. إنّها لحظة شعورية مختلفة تماماً عن المشاعر حين الحياة. نحن نستَنطِق حزناً دفيناً، ونرتّب قبراً لصفصافةٍ هرِمة.


